نزع سلاح المقاومة في عقل الفلسطيني الحر المقاوم وعقيدته هو كمن ينزع مخالب الأسد، ويهشّم أنيابه، ويقدّم العشب له ليذبح في عيد المساخر اليهودي، وهذا ما لن يكون ما بقي محتلّ على الأرض الفلسطينية.
يتزايد الحديث في الآونة الأخيرة عن اشتراط أطراف دولية وأميركية وإسرائيلية ضرورة نزع سلاح المقاومة كشرط أساسي في خضم أي حلّ يجري الحديث عنه حالياً، والشاهد المستغرب في القضية أن هذه الأطراف تتغافل عن أساس المشكلة المتمثل بوجود الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين منذ 77 عاماً، وأن من حق أي شعب يرزح تحت الاحتلال ممارسة الفعل المقاوم لطرد هذا المحتل، بل وباتت تساوي في طرحها بين الضحية والجلاد، في مفارقة عجيبة وكيّ وعيّ غير مسبوق بات يستهدف نزع السلاح ليس من حامليه للدفاع عن الأرض والعرض بل نزعه من العقول والأفئدة كفكرة ومنهج قبل نزع السلاح الحقيقي الذي يحمله المقاوم ليحمي أرضه ويردّ به عدوان المحتل.
ما يجري في قطاع غزة، وتحديداً خلال الفترة القليلة الماضية، من إمعان في آلة القتل والتدمير وصولاً إلى سياسة الحصار والتجويع، يدرك أن ليس له علاقة بقضية الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس، بل هو أكبر من ذلك، والذي يكشف حقيقة الأمر هو تركيز “إسرائيل” والإدارة الأميركية في مفاوضاتها على الحديث في قضية نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة كمفتاح وبوابة لأي حلّ، في ممارسة واضحة و صارخة لسياسة الابتزاز والمساومة والتجويع الممنهج لأكثر من 2 مليون فلسطيني.
تاريخياً، على الصعيد الفلسطيني، منذ انطلاق الثورة الفلسطينية في وجه الاحتلال، شهدت مسيرة الشعب الفلسطيني في المقاومة والنضال محطات مهمة في هذا السياق، وكانت مطالبات تسليم السلاح إما نتيجة ضغوط سياسية أو إبرام اتفاقيات أو تحوّلات استراتيجية مرت بها القضية الفلسطينية، واليوم بعد عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 تتكرر المطالبات ذاتها والتاريخ يعيد نفسه مرة أخرى.
لعلّ أبرز المحطات التي مرت بها القضية الفلسطينية واستهدف فيها سلاح المقاومة كانت إبان النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني عام 1948 بعد احتلال فلسطين، إذ تم على إثرها نزع سلاح بعض المجموعات المسلحة، وتحديداً تلك التي وقعت تحت سيطرة “جيش” الاحتلال الإسرائيلي أو التي خضعت لحكم مصري وأردني، ثم تبعتها مرحلة سحب سلاح عدد من الفصائل المقاومة بين عامَي 1950 و1967، ثم بعد أحداث أيلول الأسود بين عامَي 1970 و 1971 حيث اضطرت الفصائل الفلسطينية آنذاك إلى تسليم سلاحها والخروج من الأردن.
لم يتوقف التاريخ إلى هنا فحسب، فقد مرت الثورة الفلسطينية ومقاومتها بمحطات أخرى من هذا القبيل، وتحديداً عام 1982 بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وخروج المقاومين على إثره إلى دول مجاورة وتسليم سلاحهم، وصولاً إلى المحطة الأبرز والتي تمثلت بتوقيع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو عام 1993 وكان من أبرز بنوده نزع سلاح المجموعات المقاومة، ومن ثم تبعه إسقاط خيار الكفاح المسلح بشكل نهائي من الميثاق الداخلي الخاص بمنظمة التحرير الفلسطينية خلال زيارة الرئيس الأميركي بيل كلنتون إلى قطاع غزة، صوّت عليه أعضاء المنظمة آنذاك بالإجماع، فماذا كانت النتيجة منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا؟
أعطوا الفلسطينيين سلطة وهمية وامتيازات قابلة للحرمان في أي وقت، زاد الاستيطان الإسرائيلي للأرض أضعافاً مضاعفة، وضربت “إسرائيل” بعرض الحائط كل الاتفاقيات التي أبرمت ومضت في مخططها القائم على تصفية الوجود الفلسطيني وانتهاك أرضه وعرضه ومقدساته، وصولاً إلى خطة حسم الصراع بالقوة والتي يجري تنفيذها الآن، فيما بقيت منظمة التحرير فاقدة لأوراق القوة، وعلى رأسها ورقة امتلاك السلاح الذي يؤثر في معادلة الصراع القائم والممتد، إذ لا قيمة لأي ضمانات أميركية وضعت كغطاء لتمرير اتفاق أوسلو الذي تنازلت فيه منظمة التحرير الفلسطينية عن 78٪ من أرض فلسطين التاريخية، واعترفت بشكل الصريح بـ”إسرائيل.”
منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، وما بعدها من محطات مهمة مرت بها المقاومة الفلسطينية وحتى عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 ومع قدرة المقاومة الفلسطينية على امتلاكها السلاح الثقيل الذي يضرب كل نقطة في فلسطين، وتطوير ترسانتها العسكرية التي وصلت إلى مرحلة متقدمة باتت فيها تمتلك القدرة على صنع سلاحها الثقيل بيدها، رغم الحصار الخانق والتضييق، لم تتوقف المطالبات والضغوط الدولية الأميركية والإسرائيلية بضرورة نزع سلاح حماس، فيما المقاومة الفلسطينية لم تتوقف عن المواجهة وكان آخرها خلال حرب الإبادة المستمرة على الشعب الفلسطيني.
ثمة تجارب أخرى يمكن استحضارها في هذا السياق، تكشف أهمية امتلاك ورقة السلاح كمصدر قوة، إذ إننا نعيش في عالم لا يحترم إلا القوي الذي يمتلك السلاح، وإذا عدنا إلى الوراء قليلاً حين جلست حركة طالبان في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، طالب الوفد الأميركي نزع سلاح حركة طالبان، فابتسم أحد المفاوضين الأفغان وقال للوفد الأميركي المفاوض:” هذا السلاح هو الذي أتى بكم إلى هذه الطاولة، ولولاه لما التفتم إلينا أصلاً، فكيف نلقيه؟! وشاهدنا كيف كانت نهاية الاحتلال الأميركي لأفغانستان.
التجربة الفلسطينية بين نموذجين: الأول مضى وأصبح فيه السلاح والقوة التي كانت تمتلكها مجرد ذكرى، والوثيقة التي وقعتها في اتفاق أوسلو داستها “إسرائيل” بأقدامها. والنموذج الثاني الذي تمثله حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة جميعهم متمسكون بسلاحهم، ويرفضون طرح المسألة للنقاش، وهذا يعطي درساً مهماً أن اليد التي تفرّط بسلاحها لا تكتب مصيرها بيدها، بل يكتبه لها عدوّها. ومن هذا المنطلق، تدرك المقاومة الفلسطينية التي ضربت “تل أبيب”، قبل أيام قليلة، بصواريخ ثقيلة أن البندقية هي التي تحمي الوطن والأرواح، وإذا ألقيت اليوم فسترفع غداً في وجه صاحبها، وتدرك أن نزع السلاح دونه الأرواح وهو بمنزلة رفع راية الاستسلام البيضاء.
لا يوجد البتة في التاريخ والنماذج كثيرة أن شعباً ألقى سلاحه ونجا، وبالتالي كل محاولات نزع سلاح المقاومة وقتل الروح الوطنية هي لعبة مكشوفة تتكرر في كل مواجهة عسكرية مع المقاومة في قطاع غزة، فخيار المقاومة المسلحة هو خيار كفلته كل القوانين الدولية كحق للشعوب المحتلة للدفاع عن أرضها وشعبها.
التاريخ لا يخطئ حين يعيد نفسه، وسنن التاريخ أيضاً كثيرة وتقول إن اليد التي تلقي سلاحها، تلقي بنفسها للذبح، وأن كل التجارب السابقة التي مرت بها الثورة الفلسطينية ومقاومتها وصولاً إلى أوسلو ونزع سلاحها وإسقاط خيار الكفاح المسلح مكّنت “إسرائيل” في الأرض أكثر وجعلتها تبسط نفوذها وتتغوّل على الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته.
إن نزع سلاح المقاومة في عقل الفلسطيني الحر المقاوم وعقيدته هو كمن ينزع مخالب الأسد، ويهشّم أنيابه، ويقدّم العشب له ليذبح في عيد المساخر اليهودي، وهذا ما لن يكون ما بقي محتل على الأرض الفلسطينية، فالسلاح الذي صنع المعادلات الاستراتيجية في محطات الصراع مع “إسرائيل” لن يكون محل ابتزاز أو مساومة أو نقاش إلا برحيل الاحتلال الكامل عن الأرض الفلسطينية.